مدينةُ المدائن

مدينةُ المدائن

 

نبعدُ عنكِ ..

فنشتاقُ إليكِ

ونعودُ إلى أحضانكِ

فنشتاقُ أليكِ أكثرْ ..

أيتها المتمرسةُ في أرواحنا

تسرينَ في عروقنا مع دماءنا

فنكبرُ .. ونكبرْ ...

ما عدنا نفهمكِ يا حبيبتنا

ولا عدتِ تفهمينا

فلقد أصبحنا غرباء عنكِ

وصرتِ أنتِ أشد غرابةٍ منا

أنا لم أر أمَّاً مثلكِ يا بيروت

تطردُ أبناءها ..

تنفيهمْ ..

تتبرأُ منهم أحيانا ..

وهم يندفعون إليها حبَّاً

ليعانقوا شاطئها الأسمر

ليشقوا طريقهم عنوةً عنها

بين الممراتِ القديمة

وعلى أدراجِ التلالِ المكسرة

وبقايا الأشجارِ المنتشرةِ على الأرصفة

ليقبلوا جدرانها الممزقة

ويتكئوا عليها

منكسينَ رؤوسهم ..

حانينَِ ظهورهم ..

يلتقتونَ أنفاسهم من بُعدِ الطريق

ومن طولِ السفر

إن كنتِ معنا كذلك يا بيروت

إن كنا نحن لا نرضى

أن نُقتَّل أو نموت

ونصرُّ أن نسهرَ معكِ كل ليلة

وأن ننثركِ كل صباح

بالزهرِ ..

بالدرِِّ ..

وبالياقوت ...

وننكرُ ذاتنا كرمى لعينيكِ

وأنتِ تزدادين غنجاً

كلما ازددتِ عمراً

كأنكِ تبعثين في كل يومٍ من جديد

وكأنك تُزفين عروساً

في كلِّ ليلة

عندما يباغتكِ البحرُ خلسةً

بعد أن تغفى العيون

يمدُّ إليكِ أياديه الكبيرة

وأصابعه اللامعدودة

ليتحسسَ خاصرتكِِ الغربية ..

جبانٌ هو هذا البحر

ببياضه ..

بسذاجته ..

وهو يقتحمكِ بسريةٍ تامة

وعند إندحاره إلى خطوطه الخلفية

مع طلوع الفجر الأول ..

وهو يحسبُ أنه

قد حققَ النصرَ الكبير ..

أهذا هو سركِ يا بيروت

ألهذا لا تأبهين بنا

ألإن لديكِ حناناُ أزلياً

ينصبُّ عليك بطريقةٍ منتظمة ..

ألهذا ؟

لا تمدين إلينا يدكِ لتصافحينا

ولا تنطقين بكلمةٍ

لترحبين بنا

ولا تقومين بإيةِ حركة

لتشعرينا بالعطف والحنان ..

أم أنكِ قد نقمتِ علينا إلى الأبد

لإننا مزقناكِ وانتهكناكِ ..

وأصرينا أننا نحبكِ

سامحينا يا بيروت

إن كنا لا نعرف كيف نحب

سامحينا ..

إن كنا نحبكِ كما نحب نساءنا

ونأتي إليكِ تماماً

كما نأتي نساءنا ..

فلقد ورثنا ذلك من أبي جهل

وها هي الجاهلية

تحومُ فوق رؤوسنا

وتنقضُّ علينا الواحدَ تلو الآخر

لتفترسنا ..

ونحنُ ما زلنا نحن

منذُ أربعة عشر قرناً

لم نتعلمَ كيف نفرُّ منها

ونختبئُ كما تفعلُ الفئران والأرانب

محقةٌ أنتِ يا بيروت

عندما تزدرينا ..

فنحن قد لا نكون أهلاً لحبكِ

لإننا لم نعد نعرف من نحن

منذ رحلت عصافيرُ البلادِ عنا

منذ أن هاجرت كلُّ الزهور

وتشردت كلُّ النسور

وأصبحنا لاجئين في أوطاننا

ولم يعد للقهوةِ التركية

التي نحتسيها كل صباح

أي أثرِ على يقظتنا

ونحن تهزمنا العصور

وها هو الألف الثالث يأتي مذهولاً

ينبش عنا

في أواخر سني أخيه الأول

كيف نخاطبكِ يا بيروت ؟

وكيف نحبكِ يا بيروت ؟

أرتقي بنا حتى نصل إليكِ ..

لنشفي غليلكِ ..

لتتباهين بنا على أترابكِ جميعاً

وتفاخرين بنا بين أقرانكِ جميعاُ

ونكون كما تريدين

كما تحبين

كما تأمرين ..

يا مدينة المدائن

ويا زهرة الياسمين ...