Make your own free website on Tripod.com

فأين قدر العالم ؟

قرأت في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ أبياتاً لبعض المعتزلة يمتدح فيها واصل بن عطاء شيخ المذهب ويكشف عن قوة شخصيته وعظيم هيبته في نفوس الأتباع، وتضحيتهم النادرة في طاعته تقول القصيدة:

له خلف بحر الصين في كل بلدة

إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر

رجـال دعـاة لا يفل عزيمهم

تهكم جبـار ولا كيـد ماكـر

إذا قال مروا في الشتاء تسارعوا

وإن جاء حر لم يخف شهر ناجر

هم أهل ديـن الله في كل بلدة

وأرباب فـتياهـا وأهل التشاجر

 

هذا ولم يكن المعتزلة ممن يُعنون بتحريك العواطف ومخاطبة العامة وحشدها، لذلك أستغرب هذا التصوير العجيب لواصل ومريديه معه بهذه الطواعية والإنقياد العجيب، لكن الأمر المعروف بل المشهود عياناً هو تعظيم الرافضة "لملاليها" وسادتها وآياتها ومراجعها تعظيماً يفوق الوصف. إن جموعاً غفيرة تحتشد خلف هذا المجلل بالسواد وتتحرك بإشارة إصبعه ولعلهم ـ وقد أعطوا أئمتهم العصمة المطلقة ـ قد أعطوا لعلمائهم شيئاً يشبهها أو منحوهم منها ملعقة أو ملعقتين فاستووا أمامهم بشراً يلتقي بالمعصوم خفية ويأخذ عنه فله من عصمته نصيب. ولا شك أن ارتباطهم العاطفي بمراجعهم الدينية يفوق ارتباطهم بقياداتهم السياسية ولذلك يقدمون الأول عند التعارض، هذا وهم يأخذون منهم الخمس غنيمة باردة يصرفونها على ما يريدون. وقد أعطى الزخم شيوخهم قدرة على الإصلاح والتغيير والأمر والنهي وفرض إرادتهم على الآخرين فهي قوة تتضائل أمامها قوة البندقية والمدفع والصاروخ. ومما لاشك فيه أن في هذا المنهج تبعية تنسحق تحت وطأتها قيمة الفرد وتمحي شخصيته، فليس له رأي ولا اختيار سوى أن يهتف مع الهتافة ويمشي مع التيار وإلا فهو الإنتحار، وهذه الفردية تؤدي إلى كوارث لا يعلم مداها إلا الله.

فليس هذا المسلك مما يحمد أو يمدح بحال، ولكنني أعرضه لأعرض إلى جواره موقف أهل السنة من علمائهم ـ خاصة في العصور الأخيرة ـ إن علماء السنة هدف للسهام المنهلة عليهم من كل جانب فلسان حالهم يقول:

ولقد أراني للسهام رديئة

من عين يمنى تارة وأمامي

ففي أكثر من بلد إسلامي تتعمد بعض وسائل الإعلام الإساءة إلى العلماء وقد تصورهم وسائل الإعلام أنهم دراويش وإرهابيون ومتطرفون و و و..، وكثيراً ما يتحدث العامة عن عالم له قدره ومكانته فيبحثون عن عيب يلصقونه به، إما مداهن أو متكسب أو مغفل ... فإذا لم يجدوا شيئاً من ذلك قالوا: أولاده غير صالحين! وحين يتحدث بعض المبدئيين في الطلب عن عالم من العلماء يقلل من قدره ويتحدث عنه وكأنه زميل وقد يهون عليه التعبير ب: فلان هين أخطأ فلان.. فيخذلهم هؤلاء وأولئك ثم يقولون: لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يحسبون على الأكابر! ونسوا قول القائل: ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت

نعم لو أنطقناهم نطقوا .. إن العامة هم قوة العالم وسلاحه فإذا خذلوه صار حاله كما قيل: كساعٍ الى الهيجا بغير سلاح.

إن علماء السنة لا زالوا بخير إن شاء الله إنهم يعطون ولا يأخذون وحالهم مع العامة كما ذكر الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: (أما العامة فهو منتصب لخدمتهم ليلاً ونهاراً بلسانه وقلمه ...).

إنا نفاخر الأمم بهذا الطراز الفريد من البشر... فليأتونا بمثلهم إن كانوا صادقين.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

 

وحري بالأمة - علماء وطلاب علم وعامة - أن تلتف حولهم، وتحمي ظهورهم، وتمنحهم من التبجيل ما هم له أهل.

فضل العلم والعلماء

أيها الأخوة في الله: إن العلم يكفيه شرفاً أنه السبيل الوحيد للتوصل من خلاله إلى المعبود الذي يستحق العبادة وحده سبحانه، ومعرفة كيفية التوصل إليه وبلوغ رضاه. لذلك فرض رسول الله طلب العلم على كل مسلم، لأنه وسيلة إلى مهمةٍ خَلَقَ الله الخلق من أجلها . وأثنى الله تعالى على العلماء لأنهم أشد الناس خشية لله فقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}. ويكفي العلم شرفاً أن الله تعالى اتصف به، فالله جل وعلا هو العالم وهو العليم وهو الذي يعلم. ولقد أحسن الشاعر عندما عرض مناظرة بين العلم والعقل وبيّن فضل العلم على العقل فقال:

علم العليم وعقل العاقل اختلفا

من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا

فقال العلم أن أحرزت غايتـه

وقال العـقل أنا الرحمن بي عرفـا

فأفصح العلم إفصاحاً وقال له

بأينا الرحمن في قـرآنـه اتصفـا

فبان للعقل أن العلم سيـده

فقبل العقل رأس العلم وانصرفـا

 

ولقد كثرت الآيات والأحاديث في الكلام عن العلم وفضله، قال رسول الله r : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) رواه البخاري، وتواترت وصايا السلف في الحث على العلم منها ما جاء في وصية علي بن أبي طالب لكميل بن زياد قال علي رضي الله عنه: (العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال. العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة. ومحبة العالم دين يدان به. العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته. وصنيعة المال تزول بزواله. مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم موجودة) اهـ.

والكلام عن العلماء وفضلهم يطول، فهم الذين يستضاء بهم من ظلمات الجهل، كما ينجلي ظلام الليل بالسراج المنير، فمن اقتدى بهم اهتدى بنورهم. إن الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر تحكم العلماء

والعالم هو من يذكرك في الله مظهره، ويعلقك بالله مخبره، وتجعلك مع الله أقواله. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم الخشية)، فليس العالم إخوتي من لبس لباس المشيخة، وتجلبب بجلباب العلم، وتشدق بفصيح الكلام، وجاء بغريب الألفاظ، بل إنه الذي إذا رأيته ذكرت الله، إنه الذي إذا سمعت صوته حسبته يخشى الله، هذا هو العالم، العالم يسير في دعوته على مثل ما سار عليه الأنبياء، يعلق قلوب الناس بالله، ويعرفهم، ويعلق أفئدتهم به، ويخوفهم من عقابه، ويحثهم على طاعته، ويحرص على هدايتهم، ويبعدهم عن عصيان الله وعقابه وسخطه. فإن وجدت هذا العالم فالزمه ولا تفارقه. فإن لم تجده فاعتن بصلاح نفسك، واختر لك صديقاً صالحاً مخلصاً في الله تنصحه وينصحك فإن وجدته فالزمه. ولا تغتر بمن ذاع صيته وساء اعتقاده وعمله، فإن العبد لينشر له ما بين المشرق والمغرب، وما يزن عند الله جناح بعوضة . وأسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين

كتبه : أبو مريم الشامي